لم تقرأ الاختلاط في كتاب

بعد إنكار الاختلاط خرجت بعض الردود المضطربة مع أن أصلها واحد، فبعضهم يقول نحن نختلط ضرورة ومصلحة، وبعضهم يقول بأن هذا ليس اختلاطا ولا وجود لهذا المصطلح أصلا!!.
وإنك لا تجد تناقضا أو اضطرابا إلا وصاحبه قد فرط في القرآن والسنة، {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}. ونحن نرى الاختلاف اليوم ونعيشه.
ومما ذكره بعض الدعاة  أن مصطلح (الاختلاط) غير شرعي ولم يرد في نصوص الشرع بل ولم يذكره الفقهاء!!. بل إحداهن ذكرت أنها لم تقرأه في كتاب!!. وهذا امر محرج حقيقة، وبيانه من وجوه :
الوجه الأول : لو قرأت القرآن أو السنة فلن تجد كلمة (مصطلح) فهذه الكلمة نفسها حادثة، فالمصطلحات جعلت لتقريب المعنى وضبط الأمور، فلن تجد في الشرع تقسيم التوحيد إلى ألوهية وربوبية وأسماء وصفات، ولكن التقسيم وضع للتعليم والتقريب وعلم بالاستقراء والتتبع. فالعبرة كما هو معلوم بالمقاصد والمعاني، لا الألفاظ والمباني. فلو سميت الخمر لبنا فستظل خمرا.
فلا مشاحة في الاصطلاح، وأطلق عليه ما شئت، فنحن نتحدث عن اجتماع الرجال بالنساء.
الوجه الثاني : ورد مصطلح الاختلاط في السنة النبوي وكلام العلماء وبالمعنى الذي نقصده، قال ابن جريج لعطاء :"كيف يخالطن الرجال؟. قال: لم يكن يخالطن، كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حجرة [ناحية منعزلة] من الرجال، لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين، قالت:انطلقي عنك، وأبت، يخرجن متنكرات بالليل، فيطفن مع الرجال، ولكنهن كن إذا دخلن البيت، قمن حتى يدخلن، وأخرج الرجال".(البخاري.1618).
بعضهم استدل بهذا الحديث على الاختلاط وليس كذلك، فأمنا عائشة كانت في بيت متنقل، أي في هودج، وهذا خطأ يقع فيه الكثير، يعتمد على رواية واحدة ويغفل عن غيرها،  جاء عند عبد الرزاق (المصنف.9018):" كانت عائشة تطوف حجزة من الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة معها". فقوله:"قالت امرأة معها". دليل أن ذاك فعل النساء عموما، وقوله "حجزة" -وهي رواية أبي ذر أيضا- معناه:" في ناحية محجوزة عن الرجال بحيث يضرب بينهم وبينها حاجز يسترها عنهم".(شرح القسطلاني.172/3).
وفي نفس رواية عبد الرازق :"وكنت آتي عائشة أنا وعبيد بن عمير وهي مجاورة في جوف ثبير، قلت: فما حجابها حينئذ؟ قال: هي في قبة لها تركية عليها غشاء لها، بيننا وبينها". فنظر يا رعاك الله،  فأمنا عائشة كانت تطوف في بيت متنقل.
وكل حديثنا هنا طبعا عن مصطلح الاختلاط، وإلا فالطواف اعتبره العلماء من العابر وليس الدائم كما سبق معنا في بين الفرق بين الاختلاط العابر والمستقر ولا خلاف في جوازه. (http://bit.ly/2SSi52x).  ولنا مقال خاص في مسألة الطواف. (http://bit.ly/2TtfAsz).
عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري، عن أبيه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء: استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق عليكن بحافات الطريق، فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به".(حسن رواه أبو داود.5275).
قد يقول قائل المقصود من لفظ الاختلاط هو اللمس والاحتكاك والملاصقة!!.
وهذا أمر غريب، فلمس النساء والاحتكاك بهن  ليس محل بحث الفقهاء في هذا الباب، لأن مستحله كافر إجماعا، قال حافظ المغرب في وقته ابن أبي راشد الوليدي :".وأما من غلب على ظنك أنه يعلم ذلك[يقصد الملاصقة] ويستبيحه، فهذا كافر يجب جهاده إن قدرت بيدك أو بلسانك، فإن لم تقدر فبقلبك وأما من يعتقد تحريم ذلك ويفعله فهو عاصٍ وأمره إلى الله إن لم يتب من ذلك وتغيير ذلك عليه مما يختص بالحاكم".(المعيار المعرب.274/1). وله نص آخر في تعليم الرجل للنساء سنذكره لك فلا تمل منا.
وقال أبو بكر محمد العامري:"اتفق علماء الأمة أن من اعتقد هذه المحظورات، وإباحة امتزاج الرجال بالنسوان الأجانب، فقد كفر..".(أحكام النظر.278).
فمحاولة حصر كلام العلماء عن الاختلاط في الاحتكاك والتلامس  فهم مغلوط.
وربما نقلوا نصوصا من اللغة تفيد هذا، وحقيقة هذا نصف العلم، فالكلمة أوسع من ذلك، ففي المصباح المنير:"خلطت الشيء بغيره خلطا من باب ضرب ضممته إليه فاختلط هو وقد يمكن التمييز بعد ذلك كما في خلط الحيوانات ..".(177/1).
وجاء في لسان العرب(293/7):"خلط القوم خلطا وخالطهم: داخلهم. وخليط الرجل: مخالطه. وخليط القوم: مخالطهم كالنديم المنادم، والجليس المجالس". وفي مقاييس اللغة(209/2):"والخليط: المجاور".
قال ربنا :"{وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}.
وكذا قول النبي ﷺ:"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم".(صحيح رواه الترمذي.4032).
وعن أنس قال:"كان رسول الله ﷺ يخالطنا..".(صحيح رواه أحمد.12199).
اما  في اصطلاح الفقهاء وهذا أهم من اللغة لأننا نتحدث عن مصطلح، فإنه يدل على اجتماع الرجال والنساء في مكان واحد.
 قال الحسن البصري:"إن اجتماع الرجال والنساء لبدعة".(القصاص والمذكرين.ص:301). العجيب أن ابن  ابن رجب الذي توفي سنة (795هـ)، عبر عن كلام الحسن بـ(الاختلاط) فقد قال بعدما أنكر ونفى تواجد الرجال والنساء في مجلس واحد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم:"وأصل هذا، أن اختلاط النساء بالرجال في المجالس بدعة كما قال الحسن البصري".(تسلية نفوس النساء.ص:7). فانظر رحمك الله كيف عبر عن اجتماع الرجال والنساء بـ(الاختلاط)، وهو يقصد كلام الحسن.
 وقال خليل وهو العمدة عند المالكية:"وينبغي أن يفرد وقتا أو يوما للنساء: كالمفتي والمدرس".(ص:219).
فانظر لخليل فهو يتحدث عن فصل الرجال والنساء، وكل جنس له يومه،  العجيب أن شارح الكتاب نص على أن مخالفة ذلك (اختلاط)، جاء في التاج والإكليل:"(وينبغي أن يفرد وقتا أو يوما للنساء) أشهب: إن رأى أن يبدأ بالنساء فذلك له على اجتهاده ولا يقدم الرجال والنساء مختلطين، وإن رأى أن يجعل للنساء يوما معلوما أو يومين فعل. ابن عبد الحكم: أحب إلي أن يفرد للنساء يوما ويفرق بين الرجال والنساء في المجالس".(119/8).
الوجه الثاث : تحدث الفقهاء عن اجتماع الرجال والنساء في مكان واحد من غير ملامسة ومنعوا منه -وسمه ما شئت-  قال الحسن البصري:"إن اجتماع الرجال والنساء لبدعة".(القصاص والمذكرين.ص:301.ابن الجوزي).
وقال ابن العربي المالكي:"فإن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجالس ، ولا تخالط الرجال ، ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير ، لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها وكلامها ، وإن كانت متجالة برزة لم يجمعها والرجال مجلس تزدحم فيه معهم ، وتكون منظرة لهم ، ولم يفلح قط من تصور هذا ، ولا من اعتقده".(أحكام القرآن.483/3).
وقال ابن قدامة الحنبلي:" والذكورية شرط لوجوب الجمعة وانعقادها، لأن الجمعة يجتمع لها الرجال، والمرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال".(المغني.243/2).
وقال ابن الهمام الحنفي :" غير أن المرأة إنما تخالط المرأة لا الرجل الأجنبي فلزمت الأخرى لتذكرها".(فتح القدير.222/5).
وقال الغزالي الشافعي عند حديث عن مجالس الوعظ :"يجب أن يضرب بين الرجال والنساء حائل يمنع من النظر فإن ذلك أيضا مظنة الفساد".(الإحياء.337/2).
وقال ابن أبي راشد الوليدي المالكي وقد سئل عن تعليم الرجل للنساء :"وأما مباشرتكم لهن لتعليم ذلك وإيقاظهن للتوبة من ذلك، وربما أذن لكم في ذلك أزواجهن، فهذا مما لا سبيل لكم إليه بوجه، وإنما يجب على مثلكم تعليم زوجته ما يلزمها من العقائد وفروع الشريعة. وأن مما يجب عليه أن يتعلم ما يجب على زوجته من ذلك في حق الله تعالى وفي حق نفسه، فتتعلم هي منه ما يلزمها من ذلك وما يلزمها التوبة منه، وما لا يلزم، وذلك أن زوجها بعد أبيها في حال البكارة هو المكلف بتأديبها بآداب الشريعة والقيام بأمرها كله .. وكون الزوج يأذن لكم في ذلك أو يوكلكم عليه فلا يجوز له ولا لكم ذلك، لأن ذلك مما لا تصح النيابة فيه مطلقاً وإن سألتكم عن شيء فلا يكون السؤال إلا من وراء حجاب كما أمر الله تعالى".(المعيار المعرب.274/1). وهذا نص عزيز على القلب.
فأنت ترى حديث الفقهاء في تحريم اجتماع الرجال والنساء في موضع واحد، وهذا ما يسمى بـ(الاختلاط) فإذا احببت لفظا غيره فلك ذلك، والمبنى لا يتغير بالأسماء.
ونصوص العلماء  كثيرة تمنع الاختلاط في مجالات مختلفة وسنكتفي لك بذكر بعض  المالكية :
- منع الاختلاط منذ النشأة في التعليم : قال سحنون المالكي :"وأكره للمعلم أن يعلم الجواري ولا يخلطهن مع الغلمان لأن ذلك فساد لهم".(آداب المعلم).
وقال القابسي:"ومن صلاحهم، ومن حسن النظر لهم، أن لا يخلط الذكران واللإناث.(الرسالة المفصلة).
والعجيب أن هذا قول تقي الدين الهلالي،قال رحمه الله:"يجب أن تكون مدارس الإناث مفصولة عن مدارس الذكور من روضة الأطفال إلى شهادة الدكتوراه".(حكم الإسلام في الإختلاط.جمعية الإصلاح.ص:65).
-إجابة الدعوة : قال النفراوي المالكي عند موانع إجابة دعوة الوليمة:"(ولا منكر بين) أي مشهور ظاهر، كاختلاط الرجال بالنساء".(الفواكه الدواني.322/2).
-القضاء : جاء في منح الجليل:" وأما المخدرات واللاتي يخشى من سماع صوتهن الفتنة بهن فيوكلن من يخاصم عنهن أو يبعث لهن في منازلهن ثقة مأمونا. ابن عرفة سحنون يعزل النساء على حدة والرجال على حدة".(306/8).
- الوصية فهي لا تنفذ : قال الدسوقي:" أو يوصي بإقامة مولد على الوجه الذي يقع في هذه الأزمنة من اختلاط النساء بالرجال والنظر للمحرم ونحو ذلك من المنكر".(الحاشية.427/4).
-التجارة : جاء منح الجليل:"وتجوز الشركة بين النساء وبينهن وبين الرجال. اللخمي يريد إن كانت متجالة أو شابة ولا تباشره في التجارة لأن كثرة محادثة الشابة الرجل يخشى منها الفتنة، فإن كان بينهما واسطة فلا بأس".(251/6). قال الغرياني:"تجوز شركة النساء فيما بينهن/ وتجوز الشركة بينهن وبين الرجال .. ولا تخالط الرجال،  بأن كان هناك محرم ينوب عنها".(مدونة الفقه.370/4).
والنصوص كثير جدا تركنا أعظمها خوف السآمة، فهل يعقل أن هؤلاء العلماء خطأوا في فهم معنى الاختلط!. وماذا عن تلك التي قالت انها لم تر الاختلاط في كتاب؟!!.
فاجتماع الرجال بالنساء (الاختلاط) أمر لم  يعرف في الزمن النبوي ولا في عهود ما قبل الاستعمار.(راجع:الاختلاط.الطريفي). وكذا مقال: (من الذي اخترع لفظ الاختلاط.إبراهيم السكران) فقد أتى على لفظ الاختلاط عند الفقهاء. وقد تحصل لي خلال قراءتي لكتب العلماء 500 صفحة في كل ما يخص الاختلاط سنبثها فيكم عند كل مناسبة.
والله المستعان.
#قاسم_اكحيلات