نصرة الدين لا تكون بانتهاك حرماته.

السؤال :

السلام عليكم شيخنا الحبيب ما حكم من يرد على شبه الملاحدة في مقاطع فيديو ومن جملة من يرد عليهم النساء، فيضع في مقاطعة صور لتلك المتبرجات العاريات بحجة الرد عليهن ويقول ان هذه ضرورة وفي خدمة الدين!!

الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بارك الله فيكم.

من أعظم الخلل في فهم الشريعة أن يجعل الإنسان الغاية الصالحة مسوِّغة للوسيلة المحرمة، فيستحل لأجل الحق ما حرمه الله، ويظن أن شرف المقصد يرفع إثم العمل! والحق لا يحتاج إلى باطل ينصره، كما أن الطاعة لا تُنال بمعصية، ومن عجز عن نصرة الدين إلا بمخالفة أحكامه، فالعجز في فهمه وطريقته، لا في الدين وحجته.

ومن ذلك ما يفعله بعض المنتسبين إلى الرد على الملاحدة من نشر صور النساء المتبرجات والعاريات، بحجة بيان باطلهن والرد على شبهاتهن، وكأن إبطال الكفر لا يتم إلا بإظهار ما أمر الله بستره! والله الذي أمر بالرد على الباطل هو الذي أمر بغض البصر، ولا يجوز أن يُطاع في أمر ويُعصى في آخر باسم طاعته. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30].

والعجيب أن هؤلاء لو ظهرت عورة امرأة المغلظة في مقطع لما تجرؤوا على نشره، فإذا ظهر شعرها وعنقها وصدرها تساهلوا في نشره، مع أن الجميع مما أمر الله بستره، وإن تفاوتت الحرمة! وكأن العورة عندهم ما استقبحته أعراف الناس، لا ما حرمه رب الناس! وهذا من تقديم سلطان العادة على سلطان الشريعة؛ فإن الحرام لا يصير حلالًا لاعتياد العيون عليه، كما أن كثرة وقوع المعصية لا تنقلها من التحريم إلى الإباحة.

والناس إذا اعتادوا من المنكر ما صغُر في أعينهم، ظنوا صغره في ميزان الشرع، وما تغيّر حكم الله، وإنما تغيّرت قلوبهم؛ فإن اعتياد المعصية يُضعف إنكارها، حتى يصير المنكر عند صاحبه معروفًا، ثم يغضب ممن يذكّره بحكم الله فيه!

وقد جاء النساء إلى النبي ﷺ يبايعنه على الإسلام، فقال: «إني لا أصافح النساء» [مسند أحمد (44/ 559 ط الرسالة)]. وتأليف قلوب الداخلات في الإسلام مصلحة عظيمة، ومع ذلك لم يجعل النبي ﷺ مصلحة الدعوة سببًا لتجاوز حدود الشرع. فإذا كانت الدعوة إلى الإسلام لا تبيح مخالفة أحكامه، فكيف يُجعل الرد على امرأة ملحدة سببًا لنشر عورتها بين المسلمين؟!

وقد عاتب الله نبيه ﷺ حين انشغل بدعوة رؤوس قريش، يرجو إسلامهم، وأعرض عن الأعمى الذي جاءه يطلب الهداية، وفيه أنزل الله ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: 1-2]
فإذا كان الله قد عاتب نبيه ﷺ في اجتهاده مع عظم مقصده، فكيف بمن يظن أن الرد على الملاحدة يرفعه فوق النقد والإنكار؟! وليس في فعل النبي ﷺ انتهاك لحرمة، وإنما الشاهد أن صلاح القصد وعظم المصلحة لا يمنعان من تقويم الوسيلة، ولا يجعلان عمل الداعي معصومًا من الخطأ.

وقد ابتُلي بعض الناس بتعظيم من يردون على الملاحدة حتى جعلوا لهم من الحرمة ما لا يجعلونه لغيرهم؛ فإن أنكرت على أحدهم نشر العورات قالوا: إنه ينصر الإسلام! وكأن نصرة الإسلام نبوة ثانية يُعصم بها صاحبها من الخطأ، فلا يُنكر عليه منكر، ولا يُراجع له قول، ولا يُحاسب على فعل.

فمن نصر الحق في موضع لم يجز له أن يخالفه في موضع آخر، ولا أن يجعل إحسانه في باب ساترًا لإساءته في باب غيره. ومن كان الرد على الملاحدة فضيلة له، فليس ذلك صكًّا بإباحة المحرمات، ولا حصانة من الإنكار؛ إذ لا أحد أعظم من أن يُؤمر بطاعة الله ويُنهى عن معصيته.

ثم أي ضرورة تدعو إلى نشر صورة امرأة متبرجة، وشبهتها يمكن نقلها كتابة، أو عرض كلامها دون صورتها؟! إن المقصود من الرد إبطال الشبهة لا إظهار صاحبتها، ومن جعل ظهور عورتها جزءًا من الحجة، فقد خلط بين بيان الحق وإشاعة ما حرمه الله. وقد تكون الشبهة ضعيفة في نفسها، ولكن ناشر الرد عليها يفتح بها بابًا من النظر المحرم لم يكن مفتوحًا، فيدفع مفسدة بمفسدة لا حاجة إليها.

وليس كل من اشتغل بنصرة الدين أحسن نصرته، ولا كل من غلب خصمه في المناظرة كان مصيبًا في طريقته؛ فقد ينتصر الإنسان في حجته ويُهزم في امتثاله، وقد يُسكت خصمه بلسانه ثم يخالف ربه بفعله. والعبرة ليست بكثرة من صفقوا للرد، وإنما بموافقته لما أمر الله به.

ومن أعظم الاغترار أن يظن المرء أن الله محتاج إلى معصيته لينصر دينه، أو أن الحق يضعف إذا لم يُروَّج له بما حرمه الله! فالله غني عن عباده، ودينه غني عن وسائل الباطل، وإنما يبتلي الله العاملين ليظهر من ينصره بطاعته، ومن يجعل نصرة الدين ستارًا لمخالفة أمره.

من جعل انتهاك حرمات الله سبيلًا إلى نصرته، فقد نقض بفعله بعض ما يدعو إليه بلسانه؛ فإن أعظم النصرة للدين أن تخضع له، لا أن تُخضعه لما تراه نصرةً له.

المجيب : د. قاسم اكحيلات